الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
197
تفسير روح البيان
إِلَّا قَلِيلًا لا يمكن تعلقه بأمثال ذلك اى الا علما قليلا تستفيدونه من طرق الحواس فان اكتساب العقل للمعارف النظرية انما هو من الضروريات المستفادة من احساس الجزئيات ولذلك قيل من فقد حسا فقد علما ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحس ولا شيأ من أحوال المعرفة لذاته وهو إشارة إلى أن الروح مما لم يمكن معرفة ذاته الا بعوارض تميزه عما يلتبس به قال في بحر العلوم الخطاب في وَما أُوتِيتُمْ عام ويؤيده ما روى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا أنحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه فقال ( بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم الا قليلا ) فقالوا ما أعجب شأنك ساعة تقول ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وساعة تقول هذا فنزلت وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ وما قالوه باطل مردود فان علم الحادث في جنب علم القديم قليل إذ علم العباد متناه وعلم اللّه لا نهاية له والمتناهي بالنسبة إلى غير المتناهي كقطرة بالإضافة إلى بحر عظيم لا غاية له قال بعض الكبار علم الأولياء من علم الأنبياء بمنزلة قطرة من سبعة أبحر وعلم الأنبياء من علم نبينا محمد عليه السلام بهذه المثابة وعلم نبينا من علم الحق سبحانه بهذه المنزلة فالعلم الذي أوتيه العباد وان كان كثيرا في نفسه لكنه قليل بالنسبة إلى علم الحق تعالى [ شيخ أبو مدين مغربى قدس سره فرمود كه اين اندكى كه خداى تعالى داده است از علم نه از ان ماست بلكه عاريتست نزديك ما وبسيارى آن برسيدهايم پس على الدوام جاهلانيم وجاهل را دعوى دانش نرسد ] قال المولى الجامي سبحانك لا علم لنا الا ما * علمت وألهمت لنا إلهاما قال في الكواشي اختلفوا في الروح وماهيته ولم يأت أحد منهم على دعواه بدليل قطعي غير أنه شئ بمفارقته يموت الإنسان وبملازمته له يبقى انتهى يقول الفقير الروح سلطاني وحيواني والأول من عالم الأمر ويقال له المفارق أيضا لمفارقته عن البدن وتعلقه به تعلق التدبير والتصرف وهو لا يفنى بخراب هذا البدن وانما يفنى تصرفه في أعضاء البدن ومحل تعينه هو القلب الصنوبري والقلب من عالم الملكوت والثاني من عالم الخلق ويقال له القلب والعقل والنفس أيضا وهو سار في جميع أعضاء البدن الا ان سلطانه قوى في الدم فهو أقوى مظاهره ومحل تعينه هو الدماغ وهو انما حدث بعد تعلق الروح السلطاني بهذا الهيكل المحسوس فهو من انعكاس أنوار الروح السلطاني وهو مبدأ الافعال والحركات فان الحياة امر مغيب مستور في الحي لا يعلم الا بآثاره كالحس والحركة والعلم والإرادة وغيرها ولولا هذا الروح ما صدر من الإنسان ما صدر من الآثار المختلفة لأنه بمنزلة الصفة من الذات فكما ان الافعال الإلهية تبتنى على اجتماع الذات بالصفة كذلك الافعال الانسانية تتفرع من اجتماع الروح السلطاني بالروح الحيواني وكما أن الصفات الإلهية الكمالية كانت في باطن غيب الذات الأحدية قبل وجود هذه الأفعال والآثار كذلك هذا الروح الحيواني كان بالقوة في باطن الروح السلطاني قبل تعلقه بهذا البدن فإذا عرفت هذا وقفت على معنى قوله عليه السلام ( أولياء اللّه لا يموتون بل ينقلون من دار إلى دار ) لان الانتقال كالانسلاخ حال الفناء التام وللروح خمسة أحوال . حالة العدم قال اللّه تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ الآية . وحالة الوجود في عالم الأرواح قال اللّه تعالى ( خلقت الأرواح